أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
623
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قلت : تسمية هذه الهمزة للتوقيف فيه غرابة في الاصطلاح . وجعل الزمخشري هذه الواو للحال ، وابن عطية جعلها عاطفة ، وتقدّم الجمع بين كلامهما في البقرة فعليك بالالتفات إليه . واختلاف الألفاظ في هاتين الآيتين - أعني آية البقرة وآية المائدة - من نحو قوله هناك : « اتبعوا » وهنا « تَعالَوْا » وهناك « أَلْفَيْنا » وهنا « وَجَدْنا » من باب التفنّن في البلاغة ، فلا تطلب له مناسبة ، وإن كنت قد تكلّفت ذلك عن الناس في كتاب « التفسير الكبير » . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 105 إلى 106 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ( 106 ) تعالى : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ : الجمهور على نصب « أَنْفُسَكُمْ » وهو منصوب على الإغراء ب « عَلَيْكُمْ » ؛ لأنّ « عَلَيْكُمْ » هنا اسم فعل إذ التقدير : الزموا أنفسكم أي : هدايتها وحفظها ممّا يؤذيها ، ف « عَلَيْكُمْ » هنا يرفع فاعلا تقديره : عليكم أنتم ، ولذلك يجوز أن يعطف عليه مرفوع نحو : « عليكم أنتم وزيد الخير » ، كأنك قلت : الزموا أنتم وزيد الخير . واختلف النحاة في الضمير المتصل بها وبأخواتها نحو : إليك ولديك ومكانك ، فالصحيح أنه في موضع جر كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء ، وهذا مذهب سيبويه « 1 » واستدل له الأخفش بما حكى عن العرب « على عبد اللّه » بجرّ « عبد اللّه » وهو نص في المسألة . وذهب الكسائي إلى أنه منصوب المحل وفيه بعد لنصب ما بعدهما ، أعني « على » وما بعدها كهذه الآية . وذهب الفراء إلى أنه مرفوعه ، وقد حقّقت هذه المذاهب بدلائلها مبسوطة في « شرح التسهيل » . وقال أبو البقاء : - بعد أن جعل « كم » في موضع جر ب « على » بخلاف رويدكم فإن الكاف هناك للخطاب ولا موضع لها ، فإن « رويد » قد استعملت للأمر المواجه من غير كاف الخطاب ، وكذا قوله تعالى : مَكانَكُمْ « 2 » « كم » في محل جر » . قلت : في هذه المسألة كلام طويل ، صحيحه أنّ « رويد » تارة يكون ما بعدها مجرور المحلّ وتارة منصوبه ، وليس هذا موضعه ، وقد قدّمت في سورة النساء الخلاف في جواز تقديم معمول هذا الباب عليه . وقرأ نافع بن أبي نعيم : « أنفسكم » رفعا فيما حكاه عنه صاحب « الكشاف » ، وهي مشكلة وتخريجها على أحد وجهين : إما الابتداء ، و « عَلَيْكُمْ » خبره مقدم عليه ، والمعنى على الإغراء أيضا ، فإن الإغراء قد جاء بالجملة الابتدائية ، ومنه قراءة بعضهم « ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها » « 3 » ، وهذا تحذير وهو نظير الإغراء . والثاني من الوجهين : أن تكون توكيدا للضمير المستتر في « عَلَيْكُمْ » لأنه كما تقدم تقديره قائم مقام الفعل ، إلا أنه شذّ توكيده بالنفس من غير تأكيد بضمير منفصل ، والمفعول على هذا محذوف ، تقديره : عليكم أنتم أنفسكم
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 127 ) . ( 2 ) سورة يونس ، الآية ( 28 ) . ( 3 ) سورة الشمس ، الآية ( 13 ) .